سيد قطب

3612

في ظلال القرآن

حياته وفي أزواجه - صلى اللّه عليه وسلم - على اختلاف الدوافع والأسباب . ولقد عاش في بيته مع أزواجه بشرا رسولا كما خلقه اللّه ، وكما أمره أن يقول : « قل : سبحان ربي ! هل كنت إلا بشرا رسولا ؟ » . . استمتع بأزواجه وأمتعهن ، كما قالت عائشة - رضي اللّه عنها - عنه : « كان إذا خلا بنسائه ألين الناس . وأكرم الناس ضحاكا بساما « 1 » » . . ولكنه إنما كان يستمتع بهن ويمتعهن من ذات نفسه ، ومن فيض قلبه ، ومن حسن أدبه ، ومن كريم معاملته . فأما حياتهن المادية فكانت في غالبها كفافا حتى بعد أن فتحت له الفتوح وتبحبح المسلمون بالغنائم والفيء . وقد سبق في سورة الأحزاب قصة طلبهن الوسعة في النفقة ، وما أعقب هذا الطلب من أزمة ، انتهت بتخييرهن بين اللّه ورسوله والدار الآخرة ، أو المتاع والتسريح من عصمته - صلى اللّه عليه وسلم - فاخترن اللّه ورسوله والدار الآخرة « 2 » . ولكن الحياة في جو النبوة في بيوت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لم تكن لتقضي على المشاعر البشرية ، والهواتف البشرية في نفوس أزواجه - رضي اللّه عنهن - فقد كان يبدر أو يشجر بينهن ، ما لا بد أن يشجر في قلوب النساء في مثل هذه الحال . وقد سلف في رواية ابن إسحاق عن عائشة - رضي اللّه عنها - أنها كرهت جويرية بمجرد رؤيتها لما توقعته من استملاح رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لها إذا رآها . وصح ما توقعته فعلا ! وكذلك روت هي نفسها حادثا لها مع صفية . قالت . « قلت للنبي - صلى اللّه عليه وسلم : حسبك من صفية كذا وكذا . قال الراوي : تعني قصيرة ! فقال صلى اللّه عليه وسلم : « لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته « 3 » » . . كذلك روت عن نفسها أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - حين نزلت آية التخيير التي في الأحزاب ، فاختارت هي اللّه ورسوله والدار الآخرة ، طلبت إليه ألا يخبر زوجاته عن اختيارها ! - وظاهر لما ذا طلبت هذا ! - فقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن اللّه تعالى لم يبعثني معنفا ، ولكن بعثني معلما ميسرا . لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها . . « 4 » » . وهذه الوقائع التي روتها عائشة - رضي اللّه عنها - عن نفسها - بدافع من صدقها ولتربيتها الإسلامية الناصعة - ليست إلا أمثلة لغيرها تصور هذا الجو الإنساني الذي لا بد منه في مثل هذه الحياة . كما تصور كيف كان الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - يؤدي رسالته بالتربية والتعلية في بيته كما يؤديها في أمته سواء . وهذا الحادث الذي نزل بشأنه صدر هذه السورة هو واحد من تلك الأمثلة التي كانت تقع في حياة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وفي حياة أزواجه . وقد وردت بشأنه روايات متعددة ومختلفة سنعرض لها عند استعراض النصوص القرآنية في السورة . وبمناسبة هذا الحادث وما ورد فيه من توجيهات . وبخاصة دعوة الزوجتين المتآمرتين فيه إلى التوبة . أعقبه في السورة دعوة إلى التوبة وإلى قيام أصحاب البيوت على بيوتهم بالتربية ، ووقاية أنفسهم وأهليهم من النار .

--> ( 1 ) رواه السيوطي في الجامع الصغير عن ابن سعد وابن عساكر عن عائشة . ( 2 ) ص 2853 - 2855 الجزء الثاني والعشرون . ( 3 ) أخرجه أبو داود . ( 4 ) أخرجه مسلم .